0

كلمة الجنس تثير الكثير من فضول الناس فمستحسن لها ومستاء بحسب اتجاهاتهم الفكرية والاديولوجية وعلى قدر شجاعتهم وإقدامهم يعالجون هذه التسمية أو هذا المصطلح الذي يبدو من المحرمات مثله مثل الدين والسياسة فالحديث عنه إلا ما توافق مع الشرع والقانون والعرف فما دون ذلك فهو خروج عن المألوف والمتحدث به أو كاتبه ينظر إليه بارتياب وبعين الغضب و الازدراء و قد يتهم بالفسوق والمجون حتى و لو كان نزيها فيما يقول ناقلا الأحداث من مسرح الواقع بصدق وأمانة.

والحقيقة فالناس مصابون بازدواجية عجيبة تراهم يتحدثون عن تحريمه وتجريمه علنا ويتسللون إلى كل ما يوصلهم إليه في الخفاء والكواليس، قراءة أو فيلما أو حتى إيحاءات في شكل اللباس أو في الكلام، ولذلك فالناس تهتم بالظاهر وتسير في وجهته وهو الرفض وتسبح ضد التيار في العلن مع نفسها مقتنعة بأنه حاجة ماسة وأكثر من مهم لأنه يحيل إلى تجارب يتعلم منها إن كان قارئا نفسه ذات القارئ يقع في النقيض.

إن الروائي يسرد واقعا أليما مليئا بالكتمان عاشه أو سمع عنه أو تخيله وهذا اختيار لا نناقشه فيه لأنه حرية شخصية لكن يمكننا أن نتقبل ما ينقله إلينا أو نرده ونعتبره ليس إبداعا بقدر ما هو تصويرا لتجربة قد يتشارك فيها مع أي رجل أو أي امرأة وإنما نلومه إن كتب شيء يخدش الحياء ويشوه المجتمع بخلق ما ليس حقيقة ولا شعور فالروائي كما الأكاديمي يعالج ظاهرة متفشية في المجتمع تحتاج التحليل والتعليل وهو بحث مضني.

إذا فالجنس في الأدب العالمي موجود وبقوة قديما أو حديثا وبنسب متفاوتة و على مستويات، كما في روايات هنري مللر وغيره من الكتـّاب ففي موروثنا العربي الحديث نجد نجيب محفوظ يحيي حقي وإحسان عبد القدوس ووكوليت خوري وليلي بعلبكي، ادوارد الخراط و يوسف إدريس و لقد نال الجنس حظه في الموروث إلى العصر الحديث حيث تسمىّ على قدر التكثيف و المعالجة فهذا بتسمية “الأدب الايروسي” وهذا أدب بورنو غرافي ولعل المجال لا يتسع لإظهار الفرق بينهما إلا أن الأدب البورنوغرافي غالبيته موجه للاستهلاك وهو تجاري سلعة وغالبا دوره الاستفزاز و النجومية.
إن للروائي حقه في أن يكتب و يعبر بحرية عما يريد إيصاله للمتلقي ما دام قد كتبه فمن غير الطبيعي أن يكتب أحدنا دون أن يتصور قارئا يقرأه أو ناقدا يتابعه ويشرّحه و يتشارك معه لذلك فعلى الروائي أن لا يلعب بضمير هذا القارئ إلى درجة تعريته من كثير من الأشياء التي لا تجعله إنسانيا فلا يجب أن يسلب الأشياء الجميلة منه.

إن كثيرا من الأعمال الأدبية الخالدة ينعدم فيها الجنس لكن تزخر بالعواطف الجياشة ويتراقص فيها الحب والمشاعر الفياضة ما يجعلها ترتقي بخاصة حين يخالطها الإدمان بين الحبيب والحبيبة اللذان لا يفترقان ويكونان مثالا للواقع الذي يفقد ألقه في ظل المادية الشرسة التي أنتجها العصر.
يتفق الجميع على أن الجنس جزئية في حياة الناس والكل يعالجها بالوجه الذي يراه صحيحا ويتفاعل معه، يقبله في المجتمع أم يرفضه لكن يبقى كونه موجود فهو حقيقة يجب على الجميع التعاطي معها بتسامح فالروائي لا يفرض على القارئ أن يقرأه رغم كون عمله يذهب إليه و يستميله ويناقشه و يعالج مشاكله النفسية أحيانا كثيرة حين يتكلم عنه ومعه. لطالما العمل الراقي في نظري يحترم الحياء ويخاف خدشه ويُوظف باحترام فهدفه ليس التهييج و لا الجنس فيه مقززا.

إن الكاتب يرى العالم بمنظوره هو وتوظيفه للجنس اختيار كما قلت لا يمكن مناقشته فيه فقد يكتب في السياسة وفي الدين وفي كل الحالات قد تعرض للتابو، إنه بلا شك ستنبذه فئة وتستقبله فئة أخرى كما باقي مجالات الحياة الأخرى السياسية والاجتماعية والفكرية لأن الكتابة محاكاة للواقع والعالم بكل تفاصيله إلا أن سلعنة الأدب ظهرت وبرزت للوجود أكثر بقوة وبذلك تؤشر للمبيعات ولن تكون عناصر كيميائها غير الجنس الفاضح؛ أما عن الوجه الجميل فإن البشر يتفاعلون مع العامل الحيوي لديهم هذا الذي يخفونه ويحيطونه بالكتمان ويغلقون عليه في اللا شعور، ولأن الروائي الراقي يتعمد الخوض في أعماق شخصياته بغية تحليل المواقف السلبية للفرد فيتعامل ببراعة وفنية عالية حيث يوصل رسالة للقارئ كون الجنس تعبير فلسفي وجودي وهو جزء من الصراع الأبدي مذكرا إياه بأول جريمة في تاريخه لذلك فالكتابة الراقية تحافظ على الرسالة السامية للأدب والفن معا وتواصل التأثير على الفرد إيجابا بتهديب وجدانه دون التنازل عن الذوق و اللباقة.

ولأن الروائي رقيب نفسه و المسؤول عنها فكذلك القارئ مسؤول عنها و لا يجب اتهامه بشيء إن رفض أدبه أو رواياته ووجدها لا تفي بالغرض ” الجنس في الأدب” الذي قصده ليطل على حياة المجتمع من عهر وشذوذ ويرى بعين كاتبه ما لم يراه حين يتكلم عن مشاكل الشعب وأنواع علاقاته العاطفية في الأرياف والحضر بنقد قاسي و تصوير بلا عهر بل أدبا فيه حشمة وبذلك فيجب أن يكون وجود الجنس في الأدب وليس أدب في الجنس.

خالد ساحلي

إرسال تعليق

 
Top